لم تنقص بشار الأسد الفرصة للبدء بإصلاح يبدو أنه لم يكن أبداً مقتنعاً به، ولم يزل كذلك. فمنذ أن استلم بشار الأسد السلطة منحته كافة القوى الدولية والإقليمية والوطنية في سورية، فرصة ذهبية للقيام بعملية إصلاح سياسي هادئ ومتدرج. كلّ الذين تحفّظوا على طريقة التوريث في انتقال السلطة بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين، قالوا: حسناً.. لنفتح صفحة جديدة، ولنعطِ النظام فرصة. أحد عشر عاما مرت وسورية تسير في الطريق المعاكس للإصلاح على كل المستويات..
حين قيل للرئيس السوري – على سبيل المثال – إن إعلامك خشبي لم يعد يتناسب مع معطيات العصر، فإن بشار الأسد حتى يدافع عن إعلامه أجاب بمحاضرة فيزيائية عن طبيعة الخشب المرنة والمطاوعة..
بعد تلك المحاضرة بعام تقريباً وفي مقابلة مع ( وول ستريت جورنال ) في مطلع عام 2011، أكد بشار الأسد أن الانتفاضات العربية لن تصل إلى بلده، وان الشعب السوري غير مؤهل للإصلاح، وأن مباشرة مشروع الإصلاح في سورية يحتاج إلى (جيل قادم) للانطلاق به. في تلك المقابلة كان بشار الأسد يعبر عن قناعاته الحقيقية في احترامه لشعبه، وفي نظرته لأهمية مشروع الإصلاح..
والآن وبعد مضي قرابة خمسة أشهر على الانتفاضة الشعبية في سورية، (الانتفاضة الشبابية الوطنية السلمية)، فإن سياسات النظام وتصرفاته ما تزال تدور حول القناعات نفسها.
على مستوى الخطاب الإعلامي، كما على مستوى الموقف السياسي، كما على مستوى الإجراءات الإصلاحية المزعومة؛ ما يزال النظام يدور حول نفسه بالطريقة ذاتها..
إن من يتابع السياسات الإعلامية السورية بما فيها إبقاء سورية خلف (السور الحديدي)، ومنع جميع وكالات الأنباء العالمية من تغطية ما يجري، وفرض شروط شديدة الصرامة على المسموح له منها؛ يدرك أن النظام في سورية لا يفكر بأي طريقة، بالانضمام إلى الفضاء العالمي المفتوح، في إطار من الشفافية وحرية تبادل الأخبار والمعلومات..
إنّ من يستمع إلى الخطاب الإعلامي من وسائل الإعلام السورية، ومن وكالة الأنباء السورية (سانا) يتأكد أن بشار الأسد ما يزال مغرماً بالإعلام الخشبي المرن المطواع!.
إن متابعة ما تم منذ الإعلان عن البدء بمسيرة الإصلاح، سواء من حيث إلغاء حالة الطوارئ، أو ما تم تشريعه من قوانين جديدة للتظاهر، أو الأحزاب، أو الانتخابات، كل ذلك يثبت أن هذه القوانين ما هي إلا محاولة تجميل لوجه قبيح كثير التجاعيد لا تنفع فيه كل أصبغة التجميل..
بل إن التوقف عند ما حصل من قمع وعنف بعد إلغاء حالة الطوارئ يؤكد أن الإصلاح في سورية لا يحتاج إلى تغيير وتطوير في القوانين، بل يحتاج عمليا إلى تغيير العقلية التي تعودت خلال أربعة عقود على الاستهتار بالقانون. إن إيجاد الضمانة لسيادة القانون الغائب عمليا عن حياة المجتمع السوري هو المدخل الأول لعملية الإصلاح..
نعتقد أن الذين يراهنون على أي مستوى من مستويات الإصلاح تتم على يد هذا النظام إنما يراهنون على حصان خاسر. إن الشعب السوري الذي ينظر بإيجابية إلى المواقف السياسية والإنسانية المتعاطفة مع مشروعه للتحرر والوصول إلى مجتمع العدل والمساواة يرى في إصرار البعض على منح النظام فرصة بعد فرصة نوعا من العبثية السياسية، وتعبيرا مقلقا عن الاستهانة بحجم التضحيات التي يقدمها الشعب السوري..
يعتقد الشعب السوري على اختلاف توجهاته أن الجرائم التي ارتكبتها قوات النظام وما تزال ترتكبها في درعا وفي دوما وفي حمص وفي الرستن وفي بانياس وفي البيضة وفي المرقب وفي جسر الشغور وفي حماة وفي البوكمال وفي دير الزور لم تلق من المجتمع الدولي الموقف التي تستحق لا على المستوى الدولي ولا على المستوى الإقليمي المشتق عموما من الموقف الدولي...
في كل مدينة أو بلدة ذكرناها في السياق حصلت مجزرة يمكن تصنيفها حسب القانون الدولي بأنها (جريمة ضد الإنسانية) أو نوع من (الإبادة الجماعية) ومع ذلك فما زال المجتمع الدولي يجد من السائغ ان يتحدث عن فرصة للإصلاح لرئيس ثبت أنه يستهين بدماء شعبه على النحو الذي لن يعجز أي باحث عن الحقيقة عن إدراك حجم فظاعاته..
يخيل للمرء أحيانا أن حديث بشار الأسد في خطابه الأول في مجلس الشعب السوري عن (المؤامرة) وعن (الفتنة) قد وجد من يستمع إليه على المستوى الخارجي على الأقل..
فتقديم بشار الأسد نفسه ونظامه للعالم على أنه صمام الأمان في وجه الفتنة التي يزعم أنها تتهدد سورية، لا يجوز أن تجد رواجا. وقد آن الأوان للمقولة التاريخية عن نظام (الأقلية التي تحمي الأقليات) أن تسقط. لقد انتهك بشار الأسد وأبوه من قبل حقوق جميع أبناء المجتمع السوري على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية، فلم يذبح هذا النظام المسلمين في حماة وغيرها من المدن السورية قديما وحديثا لأنهم مسلمون أو أصوليون، كما يزعم، وإنما ذبحهم وقمعهم لأنهم طالبوا بالحرية والكرامة، ورفضوا الاستبداد والفساد. وللسبب نفسه قام النظام باعتقال الناشط ميشيل كيلو، والحقوقي أنور البني، والمعارض جورج صبرة، المسيحيين، وكذلك اعتقال عارف دليلة الأكاديمي العلوي، وغيرهم من العلويين والمسيحيين والدروز والإسماعيليين عدد كبير.
يؤمن الشعب السوري بكل مكوناته المجتمعية والسياسية، أن الدولة المدنية الديمقراطية التي يسود فيها القانون وليس الفرد ولا المجموعة، هي وحدها الكفيلة بحماية جميع أبناء الوطن، وهي الكفيلة أيضا ببناء مجتمع السلم والمحبة والإخاء. لقد كتب (إيمانويل كانت) في يوم من الأيام: إن الدول الديمقراطية لا تتحارب. وكذلك نقول إن المجتمعات الديمقراطية هي التي تظل مفتوحة على السلم والإخاء..
إن التخوّف أو التخويف من أي فوضى يمكن أن تدبّ إلى سورية بعد ذهاب نظام الأسد، تخوّف غير مبرر على الإطلاق. بل يشهد تاريخ سورية القريب والحديث منذ عام 1920، وحتى قيام نظام البعث في سنة 1963، أن الالتحام المجتمعي والسياسي في سورية الحديثة كان أنموذجا يمكن أن تفتح صفحاته..
فرغم حدة الصراع الإيديولوجي في فترة الحرب الباردة، والصراع الحاد بين الشيوعيين واليساريين من جهة، والإخوان المسلمين من جهة أخرى، فقد ظل العمل السياسي على أسسه الديمقراطية هو السائد. لم تحدث فتنة، ولا اقتتال، ولا اغتيال. والاغتيال السياسي الوحيد كان لعدنان المالكي، وكان بعيداً عن الإسلاميين.
في تلك المرحلة كان الإخوان المسلمون يخوضون معاركهم بأسلوب سياسي غاية في الديمقراطية، وكانوا يحرصون أن يكون لهم في كل قائمة انتخابية، حلفاء من المواطنين المسيحيين.
و كان الدكتور مصطفى السباعي مؤسس حركتهم، لفترة طويلة نائب رئيس مجلس النواب في سورية، وكان عضواً ناشطاً في لجنة الدستور وسن القوانين. والأهم من كل ذلك أنه كان وقيادة الجماعة، من الأصدقاء والحلفاء للشيخ فارس الخوري (المسيحي) والداعمين لتولّيه منصب رئاسة الوزراء في سورية، لأن معيار الكفاءة كان هو المتقدم على معيار الانتماء الديني أو المذهبي..
واليوم ونظام بشار وماهر الأسد يخوض معركة استمراره بنفس الطريقة، ونفس الأسلوب، من القمع وسفك الدماء والاستهتار بالقيم الإنسانية ومواثيق حقوق الإنسان؛ ويتلقى أشكال الدعم المالي والتعبوي والمعنوي من حلفائهم في إيران، وفي العراق، ومن حزب الله أيضاً، فقد آن الأوان ليقول العالم إن هذا النظام قد فقد كل مبررات وجوده، وآن الأوان ليقال لبشار الأسد كما قيل لمبارك وخلال أسبوعين فقط: ارحل..
إن المجزرة الوحشية التي ارتكبها نظام بشار الأسد بحق أبناء مدينة حماه بتاريخ 31 آب 2011، عشية شهر رمضان المبارك، والتي سقط فيها أكثر من مئة وخمسين قتيلاً من المتظاهرين العزّل، من الرجال والأطفال والنساء، الذي لم يكونوا يحملون أيّ سلاح، بالإضافة إلى مئات الجرحى والمصابين والمعتقلين.. إن هذه المجزرة، وإن لم تبلغ في وحشيتها وعدد ضحاياها ما بلغته مجزرة حماه الكبرى في عهد والده حافظ أسد عام 1982، إلاّ أنها تؤكّد أن العقلية التي يتعامل بها النظام مع المواطنين، هي نفس العقلية التي كان يتعامل بها قبل إحدى وثلاثين سنة.
أما البديل المرتقب بعد سقوط هذا النظام (الذي هو لا محالة ساقط)، والذي يتخوّف كثيرون أن يكون الفوضى والحرب الأهلية أو التطرف، فإنه في أقرب فرصة، ومع أول مساحة من الحرية الحقيقية للقاء القوى الوطنية في سورية، سيكون المجتمع السوري قادراً على صنع بديله الوطني الجامع، كما فعل في المؤتمر السوري الأول سنة 1920، وسيكون هذا البديل معبّراً عن كلّ مكوّنات المجتمع السوري العرقية والدينية والمذهبية، هذه المكوّنات التي تعايشت في الماضي خلال تاريخها الطويل، في ظلّ أجواء الحرية والمحبة والإخاء. إن اللقاء الحر تحت سقف الوطن، سيكون المدخل الأنسب لتشكيل البديل الوطني الذي يتطلع إليه الجميع..
دون أن نغفل عن التنويه أن نصف قرن من النضال من أجل الحرية والشراكة الوطنية، النضال المفتوح على تجارب العالم وعلى الثقافة الإنسانية، قد فتح آفاقاً وقاد إلى مراجعات هامة، في رؤية القوى السياسية في سورية، وفي أساليبها. ولعل هذا الذي يجعلها اليوم تصرّ على سلمية هذه الانتفاضة، وعلى وطنيتها، ويجعلها تجمع على المطالبة بالدولة الحديثة، في آفاقها المدنية والتعددية والمؤسساتية والتداولية، الدولة التي تقوم على دستور مدني حديث، يفصل بين السلطات، وتقوم العلاقة فيه على أساس مبدأ المواطنة، يتساوى في ظله المواطنون من شتى الانتماءات، كما يتساوى في ظله النساء والرجال أيضا..
لندن في 3/8/2011